من هنا وهناك
هل يتراجع النفوذ الإيراني في العراق بعد تولي رئيس وزراء جديد؟
القاهرة – وينك
مثل جائزة نوبل السويدية، هناك لجنة تحكيم مكونة من الشخصيات البارزة مكلفة باختيار الفائز بجائزة قاسم سليماني العالمية، إلا أن المعايير مختلفة بعض الشيء.
وكُشف النقاب عن الجائزة في الشهر الماضي في ذكرى قائد الجيش الإيراني المتشدد الذي قتلته الولايات المتحدة في العراق، والتي تُمنح لأصحاب أعمال “المقاومة” التي يقوم بها وكلاء طهران عبر الشرق الأوسط.
إلا أن الأحداث التي تلت وفاة سليماني قد تصعّب مهمة اللجنة والتي تشمل وزير الخارجية الإيراني، في العثور على مرشحين جديرين بالاهتمام.
ووفقا لصحيفة “التليغراف” البريطانية، عندما قتل سليماني في غارة أمريكية بطائرة مسيرة خلال زيارة لبغداد في يناير، تعهدت إيران بالانتقام الشديد ضد الولايات المتحدة من خلال ميليشياتها النشطة في العراق، وطالبت الكتلة الموالية لإيران في البرلمان العراقي بسحب 5000 جندي أمريكي وقوات التحالف في العراق للمساعدة في محاربة تنظيم داعش.
وبعد ما يقرب من 6 أشهر، لا تزال القوات الأجنبية متمركزة في أنحاء العراق ويبدو أنها ستبقى لبعض الوقت، وباستثناء هجوم صاروخي على قاعدة للتحالف في مارس والذي قُتل فيه جندي بريطاني وأمريكيين، لم تنفذ الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران تهديداتها بالانتقام لمقتل سليماني حتى الآن.
وعلاوة على ذلك، عين العراق للتو رئيس الوزراء الأكثر تأييدًا للغرب منذ سنوات، حيث حلف مصطفى الكاظمي اليمين في وقت سابق من هذا الشهر ليحل محل عادل عبد المهدي، والذي استقال في نوفمبر الماضي في أعقاب احتجاجات ضخمة مناهضة للحكومة.
على مدى السنوات الأربع الماضية، كان الكاظمي يدير جهاز المخابرات العراقي، حيث عمل بشكل وثيق مع التحالف في القتال ضد داعش، وأمضى سنوات في بريطانيا يعمل كصحفي وناشط في مجال حقوق الإنسان، بعد أن فر من العراق أثناء حكم صدام حسين.
وقال “سركوت سامس”، النائب الكردي الذي كان يعمل كصحفي مع الكاظمي “إنه ليبرالي وليس له ميول طائفية، ولا يريد أن يتسبب في مشاكل مع إيران، فهو مؤيد للعراق فقط، ويدرك أيضًا أنه لا يمكننا البقاء بدون دعم أمريكي”.
هذا وتلوح أزمة في الأفق في العراق، فمن المتوقع أن تعقد الولايات المتحدة والعراق مؤتمر “حوار استراتيجي” لتحديد علاقتهما المستقبلية في منتصف يونيو.
وبدلا من الخضوع لمطالب سحب جميع القوات، من المرجح أن تضغط أمريكا والتحالف في البقاء، ولو كان ذلك على نطاق أصغر، من أجل ضمان عدم عودة تنظيم داعش.
وصرح مسؤول غربي للصحيفة: “هناك مجال لإبرام اتفاق على وجود عسكري أكثر تركيزا وربما أصغر في العراق لمواجهة داعش في المستقبل”.
ويعكس تعيين السيد الكاظمي حقيقة أن قائد الجيش الإيراني الذي حل محل سليماني يكافح من أجل الحصول على نفس النفوذ الذي امتلكه سلفه في العراق.
زار إسماعيل قاآني، وهو قائد بارز في الحرس الثوري الإيراني، بغداد أواخر مارس، في محاولة للتأثير على اختيار رئيس الوزراء الجديد، ولكن لأنه لا يتحدث العربية ويفتقر إلى كاريزما سليماني المحارب وعلاقاته الشخصية، كان الاستقبال فاترًا، ورفض بعض كبار القادة الشيعة مقابلته.
وقال المسؤول الغربي “سليماني كان له نفوذ هائل على سياسيين عراقيين مختلفين، ويكافح إسماعيل قاآني لملء الفراغ الذي خلفه، فعلى سبيل المثال لم يكن له نفس النفوذ في تشكيل الحكومة الجديدة.”
ومع ذلك، بالنظر إلى قوة الكتلة الموالية لإيران في الحكومة العراقية، كان الكاظمي خيارًا مفاجئًا، ويعتقد سامس أن علاقات إيران تراجعت منذ الاحتجاجات المناهضة للحكومة، والتي كانت جزئياً صرخة قومية ضد النفوذ الإيراني.
وأضاف سامس، الذي تلقى تهديدات بالقتل من الميليشيات لرفضه التصويت لصالح انسحاب القوات الامريكية: “كان الضغط المعادي لإيران من الشارع هائلاً، على الرغم من كونه غير مؤيد للولايات المتحدة بشكل واضح، فإيران وجدت أنه ليس لديها العديد من الأصدقاء المخلصين حقا في العراق.”
وبالفعل ترك الكاظمي، الذي يعتبر خبيراً في مجال الإعلام، بصمته، وكان من بين أعماله الأولى الأمر بإطلاق سراح مئات الأشخاص الذين اعتقلوا خلال الاحتجاجات، مما أدى إلى توقف الاضطرابات في بغداد والعديد من المدن الأخرى.
كما وعد بإجراء تحقيق أكثر صرامة في الهجمات بالأسلحة النارية التي شُنت على بعض الاحتجاجات العام الماضي، والتي قُتل فيها حوالي 600 شخص، والتي ألقي اللوم فيها على الميليشيات الموالية لإيران وقوات الأمن العراقية، على الرغم من أن تحقيق رئيس الوزراء السابق خلص إلى أنهم “مسلحون مجهولون” فقط.
وحذر أيمن سلمان وهو متظاهر من بغداد: “لا زلنا ننتظر لنرى ما إذا كان الكاظمي قادر على الوفاء بهذه الوعود، حتى الآن، لم يتم إطلاق سراح المتظاهرين، وإذا قُبض على أولئك الذين قاموا بإطلاق النار، فقد يعارض ذلك مصالح سياسية قوية “.
وفي دفعة مبكرة للكاظمي، اختارت بعض العناصر الأكثر اعتدالًا في وحدات التعبئة الشعبية، وهي الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران والتي تم تعبئتها في عام 2014 للمساعدة في محاربة داعش، أن تخضع بالفعل لسيطرة حكومية كاملة، يُعتقد أن هذه الخطوة هي محاولة للنأي بأنفسهم عن
الوحدات الأكثر تطرفاً المؤيدة لإيران، مثل كتائب حزب الله، المشتبه بها في هجوم مارس على قاعدة التحالف.
ومقابل دعمه، من المرجح أن تعتمد واشنطن على الكاظمي بشدة لبذل المزيد من الجهود لتأكيد استقلال بغداد عن طهران.
وقال روبرت تولاست من شركة تحليل الشرق الأوسط “NAMEA”: “ستريد الولايات المتحدة ضمانات بأن الجماعات المدعومة من إيران قد وضعت مكانها بثبات، وهذا سيعني التعاون مع الولايات المتحدة لفرض عقوبات موجهة ضد المصالح المالية الإيرانية في العراق، وإذا تجاوزت إيران حدودها عسكريا، يمكن أن يمتد ذلك إلى تعاون أمني ضد وكلاء إيران العراقيين”.
وإذا واجه السيد الكاظمي عوائق من كتلة العراق الموالية لإيران، فيمكن لواشنطن سحب دعمها المالي الذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات للحكومة العراقية، وهي تواجه حاليًا انهيارًا ماليًا بسبب انهيار أسعار النفط العالمية بسبب فيروس كورونا.
ومع ذلك، بعد أن أمضى معظم وقته في بريطانيا، ليس لدى الكاظمي قاعدة عراقية حقيقية خاصة به، مما يعني أنه يمكن الإطاحة به بسهولة، ويقول تولاست إن إيران ما زالت “متجذرة” في العراق، من خلال الميليشيات والسياسيين المتعاطفين وشبكات الأعمال الذين يتلقون تمويلا شهريا منها.
وأضاف: “لا يمكننا أن نتوقع رؤية فائزاً مطلقا في المنافسة الأمريكية الإيرانية”.
هذا ومن المرجح أن يكون توجيه البلاد عبر مسار ناجح بين المصالح المتنافسة لإيران وامريكيا تحديا كبيرا من شأنه أن يجعل الكاظمي زعيما مهما للغاية في تاريخ العراق، ولكن بالنظر إلى الصعاب والتحديات التي يواجهها، ترجح الصحيفة أن فرص نجاحه في هذه المهمة ضئيلة مثل فرصه في الفوز بجائزة قاسم سليماني العالمية.